محمد ابراهيم شادي

25

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

فإن مبادرة الباقلاني إلى نفى هذه الميزات عن كلام العرب يعني تميز القرآن بها ، وتتخلص في : استواء الأسلوب القرآني وبعده عن الاختلاف مع طوله عن الكلام المعهود طولا ظاهرا ، وهذه النتيجة لا تنشأ إلا بعد مقارنة وطول نظر ، ويؤيده قوله مفصّلا " إنه تنسب لحكيمهم كلمات معدودة وإلى شاعرهم قصائد محصورة يقع فيها ما نبيّنه من الاختلال والاختلاف " . وهو يقصد النهج الذي سلكه بعد ذلك حين وازن موازنة تطبيقية تثبت ما يقع في كلامهم وأشعارهم من اختلاف واختلال وأن القرآن الكريم على طوله برئ من ذلك الاختلاف وأنه أشد ما يكون انتظاما واستواء ، وربما أخذ عليه أنه دخل تلك الموازنة بالنتيجة مقدما مما دفعة للمبالغة في التحامل والتنقيص من الشعر ، ولو أنه ترك الحكم لنهاية الموازنة لوصل إلى النتيجة التي يريدها وهي أن القرآن معجز من غير ذلك التعسف ؛ لأن القرآن في القمة ولن يزيد من قدره النقيص من كلام العرب الفصيح ، وإنما يثبت الإعجاز بالبحث عما في القرآن من خصوصيات وميزات لا بالبحث في كلام الآخرين عن الهفوات والسقطات . واللافت هنا أن الباقلاني استدل على ما سبق بقوله تعالى : ( وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) [ النساء : 82 ] . ثم يستنتج منها " أن كلام الآدمي إن طال وامتد وقع فيه التفاوت " « 1 » كأنه يفسر الآية على معنى : ولو كان القرآن على طوله من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ، وظاهر هذا الفهم لا يخدم فكرة الباقلاني السابقة والتي تتلخص في أن الاختلال والاختلاف يقع في كلام العرب طال أم قصر . 2 - ومن تلك الوجوه المعجزة عدم تفاوت النظم القرآني مع ما يتصرف إليه من الوجوه الكثيرة من قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام وأعذار وإنذار ووعد ووعيد وأخلاق كريم ، وقد يبدو في الظاهر أن هذا هو عين الوجه السابق ، وليس هو في الحقيقة لأن الأول يتعلق باستواء الأسلوب على مستوى القرآن كله ( على طوله ) لكنه ينظر هنا في الوجه الثاني إلى استواء نظم السورة وعدم تفاوته على

--> ( 1 ) إعجاز القرآن 36 .